في واحدة من أضخم صفقات التحديث الجوي في القارة الآسيوية، أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية ووكالة الدفاع للمشتريات (DAPA) عن دخول المرحلة التنفيذية لاتفاقية التعاون الاستراتيجي مع عملاق الصناعات الجوية الأمريكي شركة Boeing. تهدف هذه الصفقة، التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، إلى إجراء عملية تحديث منتصف العمر (Mid-Life Update) لأسطول القوات الجوية لجمهورية كوريا (ROKAF) من مقاتلات F-15K Slam Eagle، لضمان بقائها كقوة ضاربة متفوقة قادرة على مواجهة التهديدات المتزايدة في البيئة العملياتية المعقدة لشرق آسيا.
تعد مقاتلة F-15K Slam Eagle العمود الفقري لسلاح الجو الكوري منذ دخولها الخدمة في عام 2005، إلا أن التحول النوعي في تكنولوجيا الحروب الجوية استوجب هذا التحديث الجذري. وتتضمن الصفقة دمج أنظمة إلكترونية متطورة جداً تنقل الطائرة من الجيل الرابع إلى ما يسمى بـ "الجيل الرابع والنصف المتقدم"، مع التركيز على تعزيز قدرات البقاء والفتك والربط الشبكي مع المنصات الصديقة، بما في ذلك مقاتلات الجيل الخامس من طراز F-35A Lightning II والمقاتلة الكورية المحلية KF-21 Boramae.
يركز برنامج التحديث الذي تقوده Boeing على ثلاثة محاور رئيسية ستحول F-15K إلى منصة قتالية رقمية بالكامل. المحور الأول هو استبدال الرادار القديم برادار المسح الإلكتروني النشط (AESA) من طراز AN/APG-82(V)1، وهو الرادار نفسه المستخدم في النسخة الأحدث عالمياً F-15EX Eagle II. هذا الرادار سيوفر للقوات الجوية الكورية قدرات هائلة في كشف الأهداف الجوية والبرية من مسافات أبعد وبدقة متناهية، مع مقاومة عالية لوسائل التشويش الإلكتروني.
المحور الثاني يتضمن تثبيت نظام الحرب الإلكترونية المتطور Eagle Passive Active Warning Survivability System (EPAWSS)، الذي يمنح الطيارين قدرة فائقة على اكتشاف التهديدات الرادارية والحرارية والتشويش عليها آلياً، مما يرفع من مستوى الأمان في الأجواء المعادية المشبعة بالدفاعات الجوية. أما المحور الثالث، فيشمل تحديث قمرة القيادة عبر نظام Advanced Display Core Processor II (ADCP II)، وهو أسرع كمبيوتر مهمات في العالم، القادر على معالجة 87 مليار أمر في الثانية، مما يقلل من العبء الذهني على الطيار ويسرع من اتخاذ القرارات في سيناريوهات القتال الجوي الخاطفة.
من الناحية الاستراتيجية، تأتي هذه الصفقة لتعيد صياغة موازين القوى في شبه الجزيرة الكورية وفي مواجهة القوى الإقليمية الكبرى. إن اختيار سيول لتحديث طائرات F-15K بدلاً من استبدالها بالكامل يعكس وعياً استراتيجياً بضرورة امتلاك "شاحنة صواريخ" ثقيلة قادرة على حمل أوزان كبيرة من الذخائر الموجهة، مثل صواريخ KEPD 350 Taurus الجوالة، وهو دور لا تستطيع مقاتلات الشبح القيام به نظراً لمساحة غرف السلاح الداخلية المحدودة.
هذه الخطوة تعزز مفهوم "الردع المتكامل" بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. فمن خلال توحيد الأنظمة بين الـ F-15K الكورية والـ F-15EX الأمريكية، تضمن الدولتان "التوافق العملياتي الكامل" (Interoperability)، مما يسمح بتبادل البيانات اللحظي في مسارح العمليات المشتركة. كما تمثل هذه الصفقة رداً حازماً على محاولات الجيران الإقليميين لتغيير الوضع الراهن، حيث ترسل سيول رسالة مفادها أنها تمتلك اليد الطولى القادرة على اختراق أي مجال جوي محصن وتدمير الأهداف الاستراتيجية بدقة جراحية.
على المستوى الصناعي العالمي، تؤكد هذه الصفقة على طول عمر منصة F-15 التي أثبتت أنها واحدة من أنجح الطائرات في تاريخ الطيران العسكري. نجاح Boeing في تأمين هذا العقد يعزز موقفها التنافسي في سوق التحديثات الجوية، وهو سوق ينمو بسرعة مع تفضيل العديد من الدول لتطوير أساطيلها الحالية بدلاً من تحمل التكاليف الباهظة لشراء طائرات جديدة كلياً.
إن سوق الصناعات الدفاعية يتجه الآن نحو "الترقية البرمجية والإلكترونية" (Electronic and Software Upgrades) كعنصر حسم أساسي. إن دمج تقنيات AESA و EPAWSS في طائرات قديمة نسبياً يفتح الباب أمام دول أخرى تمتلك أساطيل من طرازات مشابهة، مثل اليابان وسنغافورة والمملكة العربية السعودية، للنظر في برامج ترقية مماثلة، مما يخلق دورة اقتصادية مستدامة لشركات مثل Raytheon Technologies و BAE Systems اللتين توردان المكونات الرئيسية لهذه الأنظمة.
علاوة على ذلك، تعزز هذه الصفقة من سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بـ Boeing، حيث سيتم تنفيذ جزء من أعمال التحديث محلياً في كوريا الجنوبية بالتعاون مع شركات وطنية مثل Korean Air Aerospace Division (KAL-ASD)، مما يسهم في نقل التكنولوجيا وتطوير القاعدة الصناعية الدفاعية الكورية. في نهاية المطاف، يثبت هذا المشروع أن القوة الجوية في القرن الحادي والعشرين لا تعتمد فقط على هيكل الطائرة، بل على ذكائها الاصطناعي، وقدرتها على الرؤية أولاً، والضرب بقوة من خارج نطاق الرؤية الجوية.