في خطوة وُصفت بأنها "نقطة تحول" في العلاقات الثنائية بين ضفتي المتوسط والقارة الأوروبية، وقعت إسرائيل وألمانيا ميثاقاً أمنياً دفاعياً واسع النطاق، يهدف إلى تعزيز التنسيق العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعميق الشراكة في مجال التصنيع العسكري المتقدم. يأتي هذا الاتفاق، الذي تم توقيعه في العاصمة الألمانية برلين بين مسؤولين رفيعي المستوى من وزارة الدفاع الإسرائيلية ووزارة الدفاع الاتحادية الألمانية، ليتوج سنوات من التعاون المتنامي، وينقل العلاقة من إطار الصفقات المنفردة إلى إطار التحالف الاستراتيجي المؤسسي المستدام.
يتجاوز هذا الميثاق الجديد مفاهيم البيع والشراء التقليدية، ليركز على بناء نظام بيئي دفاعي مشترك. وتتضمن البنود الرئيسية للاتفاقية توسيع نطاق المناورات العسكرية المشتركة، خاصة بين القوات الجوية والبحرية، وتطوير برامج تدريبية متقدمة تحاكي سيناريوهات الحروب الحديثة والتهديدات السيبرانية.
وفي قلب هذا التعاون، تبرز مشاريع بحثية وتطويرية مشتركة (R&D) تشمل تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الدفاعية، وتطوير الجيل القادم من الطائرات بدون طيار (UAVs). وتلعب الشركات الدفاعية الكبرى دوراً محورياً في تنفيذ هذا الميثاق، حيث من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تعاوناً أوثق بين شركة Israel Aerospace Industries (IAI) وشركة Rafael Advanced Defense Systems من الجانب الإسرائيلي، مع عمالقة الصناعة الألمانية مثل شركة Rheinmetall وشركة ThyssenKrupp Marine Systems (TKMS).
كما يولي الاتفاق أهمية قصوى لتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، استناداً إلى النجاحات السابقة في صفقات كبرى مثل نظام Arrow 3 الدفاعي، الذي اشترته ألمانيا مؤخراً في أكبر صفقة دفاعية في تاريخها. ويهدف الميثاق الجديد إلى خلق منصة للتطوير المشترك للأنظمة الاعتراضية التي يمكنها التعامل مع التهديدات فرط الصوتية (Hypersonic Threats) والصواريخ الباليستية المتطورة، مما يجعل ألمانيا مركزاً لتقنيات الدفاع الجوي الإسرائيلي في قلب أوروبا.
من الناحية اللوجستية، يوفر الميثاق إطاراً لتسهيل عمليات نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك. ويتيح هذا الترتيب للشركات الألمانية دمج الأنظمة الإلكترونية والأسلحة الإسرائيلية المتطورة في المنصات الألمانية، مثل دمج نظام الدفاع النشط Trophy (من إنتاج شركة Rafael) على دبابات Leopard 2 الألمانية.
كذلك، يشمل الاتفاق تعزيز التعاون في المجال البحري، مع التركيز على حماية طرق التجارة البحرية والبنية التحتية الحيوية تحت الماء، بما في ذلك كابلات البيانات وأنابيب الغاز. هذا الجانب يعكس القلق المشترك من التهديدات المتزايدة في بحر البلطيق والبحر الأبيض المتوسط، ويؤكد على دور الغواصات من فئة Dakar Class التي تبنيها شركة TKMS لصالح البحرية الإسرائيلية كجزء من هذه الرؤية طويلة الأمد.
يمثل هذا الميثاق إعادة صياغة لموازين القوى في المنطقة، ويحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية للدولتين الموقعتين:
- من خلال هذا الاتفاق، تنجح إسرائيل في تثبيت نفسها كمورد استراتيجي لا غنى عنه للأمن القومي الأوروبي. هذا الارتباط الوثيق مع ألمانيا، القوة الاقتصادية والسياسية الأكبر في أوروبا، يمنح إسرائيل شبكة أمان سياسية ودبلوماسية، ويحولها من "دولة تطلب الدعم" إلى "شريك أمني يوفر الحلول". بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، يعني هذا أن النفوذ الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأوروبية سيشهد تصاعداً مبنياً على المصالح الدفاعية الصلبة.
- يعكس الاتفاق التطبيق العملي لسياسة "التحول التاريخي" التي أعلنت عنها ألمانيا. برلين الآن تبتعد عن تحفظها العسكري التقليدي وتبني تحالفات "قوية" مع دول خارج حلف الناتو مثل إسرائيل. هذا التحول سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الوجود الألماني (والأوروبي) في القضايا الأمنية للشرق الأوسط، ليس فقط كوسيط سياسي، بل كطرف له مصالح تقنية وعسكرية مباشرة في استقرار المنطقة.
الميثاق يضمن استمرار التفوق التكنولوجي الإسرائيلي عبر الوصول إلى هندسة التصنيع الألمانية الدقيقة. هذا قد يدفع قوى إقليمية أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى السعي لتعميق شراكاتها مع قوى دولية أخرى مثل الصين أو روسيا للحفاظ على توازن القوى، مما قد يؤدي إلى استقطاب تكنولوجي جديد في المنطقة.
التعاون البحري الألماني-الإسرائيلي سيزيد من عسكرة حوض شرق المتوسط. دول شمال أفريقيا، ستراقب هذا التحالف باهتمام، حيث أن أي ترتيبات أمنية بحرية جديدة ستؤثر على إدارة ثروات الغاز وحرية الملاحة في المتوسط.