في قمة عسكرية وصناعية كبرى استضافتها العاصمة السعودية على هامش "معرض الدفاع العالمي 2026" (World Defense Show)، وقّعت المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا اتفاقية تعاون تقني وصناعي بعيدة المدى لتطوير وإنتاج الأنظمة البحرية غير المأهولة. وتمثل هذه الاتفاقية، التي جمعت بين شركة SAMI Autonomous Company (التابعة للشركة السعودية للصناعات العسكرية) وشركة ULAQ Global Autonomous Systems التركية، نقلة نوعية في هندسة الأمن البحري الإقليمي، حيث تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي لتصنيع وتصدير الزوارق المسيرة (USVs)، مع التركيز على نقل المعرفة التكنولوجية الفائقة وتوطين سلاسل الإمداد العسكرية.
تركز الاتفاقية المبرمة في فبراير 2026 على إنشاء إطار عمل شامل يغطي مراحل التصميم، التطوير، الإنتاج، والتكامل النظمي للزوارق المسيرة من طراز ULAQ داخل الأراضي السعودية. وتعتبر منظومة ULAQ USV أول زورق مسير مسلح يتم تطويره في تركيا بواسطة تحالف شركتي ARES Shipyard و Meteksan Defense، ويتميز بقدرات قتالية متعددة المهام تشمل الدفاع ضد الغواصات (ASW)، والعمليات السطحية، والحروب الإلكترونية.
تتضمن الصفقة تزويد القوات البحرية الملكية السعودية (Royal Saudi Naval Forces) بنسخ متطورة من زوارق ULAQ الانتحارية والاستطلاعية، والتي تتميز بمحركات هجينة وقدرات تخفي (Stealth) تجعل من الصعب رصدها بواسطة الرادارات التقليدية. كما تشمل الشراكة دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بشركة SAMI مع منصة التحكم في ULAQ، مما يتيح للزوارق العمل ضمن "أسراب ذكية" (Swarm Systems) قادرة على اتخاذ قرارات تكتيكية ذاتية لمواجهة التهديدات في البيئات البحرية المزدحمة مثل البحر الأحمر والخليج العربي.
استراتيجياً، يأتي هذا التحالف في لحظة فارقة تشهد فيها الممرات المائية العالمية تحولاً نحو "الحروب غير المتماثلة" (Asymmetric Warfare). بالنسبة للمملكة العربية السعودية، تمثل هذه الصفقة ركيزة أساسية لتحقيق "رؤية 2030" التي تستهدف توطين 50% من الإنفاق الدفاعي؛ فمن خلال تصنيع هذه المنظومات محلياً، تضمن الرياض استقلالية قرارها العسكري وتأمين سواحلها الممتدة بأدوات تكنولوجية لا تعتمد على العنصر البشري في مناطق الخطر العالي.
على الصعيد الإقليمي، يعكس التقارب الدفاعي بين الرياض وأنقرة تشكيل "قطب تكنولوجي جديد" يقلل من الارتهان للتقنيات الغربية. إن دمج القوة التمويلية واللوجستية السعودية مع الابتكار الهندسي التركي يخلق قوة ردع بحرية قادرة على حماية أمن الطاقة العالمي في مضيق باب المندب، ويضع حداً للتحديات التي تفرضها الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تستخدم المسيرات البحرية. هذه الشراكة ليست مجرد شراء للسلاح، بل هي تحالف دفاعي ذكي يعيد رسم خرائط النفوذ البحري في الشرق الأوسط.
تطلق هذه الصفقة إشارة بدء عصر "ديمقراطية التكنولوجيا البحرية المتقدمة". فنجاح شركة ULAQ Global في اختراق السوق السعودي الضخم بالشراكة مع SAMI يكسر احتكار القوى التقليدية (مثل الولايات المتحدة وإسرائيل) لسوق الأنظمة البحرية ذاتية القيادة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا النموذج من "التصنيع المشترك" إلى دفع شركات دفاعية كبرى مثل Leidos و L3Harris لإعادة النظر في استراتيجيات تسعيرها ونقل تقنياتها للحفاظ على تنافسيتها.
علاوة على ذلك، فإن توجه السعودية لتصدير زوارق ULAQ المُصنعة محلياً إلى أسواق ثالثة سيجعل من المملكة لاعباً ومنافساً جديداً في سوق السلاح العالمي. وسيكون لهذا التحول تأثير مباشر على سلاسل التوريد، حيث سيبدأ الموردون في التوجه نحو "مراكز الإنتاج الإقليمية" بدلاً من المصانع المركزية، مما يقلل من مخاطر الانقطاع في الأزمات الدولية. إن التوسع في استخدام المسيرات البحرية الرخيصة والفعالة سيجبر الأساطيل العالمية على إعادة استثمار مليارات الدولارات في أنظمة "مكافحة الزوارق المسيرة" (C-USV)، مما سيخلق سوقاً ثانوياً ضخماً لهذه الدفاعات في العقد القادم.
إن شراكة SAMI و ULAQ Global تمثل فصلاً جديداً في تاريخ الصناعات الدفاعية، حيث تلتقي الرؤية الطموحة مع التكنولوجيا المجربة ميدانياً لتشكيل مستقبل البحرية العالمية، وضمان سيادة الدول على مياهها الإقليمية بلغة القرن الحادي والعشرين الرقمية.