أعلنت شركة TKMS الألمانية المتخصصة في بناء الغواصات والسفن العسكرية، وشركة Elbit Systems الإسرائيلية للصناعات الدفاعية، توقيع مذكرة تفاهم جديدة لتوسيع التعاون المشترك في تطوير ودمج وتسويق حلول الدفاع البحري المتقدمة، في خطوة تعكس تصاعد المنافسة العالمية على تقنيات الحرب البحرية الحديثة، وتزايد الطلب على الأنظمة البحرية الشبكية والقدرات غير المأهولة ومنظومات الحرب الإلكترونية البحرية.
ووفقاً للبيان المشترك، فإن الاتفاقية الجديدة تؤسس لإطار استراتيجي طويل الأمد بين الجانبين، يركز على التعاون في تطوير الأنظمة القتالية البحرية، ودمج الإلكترونيات الدفاعية، وأنظمة الاستشعار، والحلول المستقلة وغير المأهولة داخل المنصات البحرية المستقبلية، سواء للسفن السطحية أو الغواصات.
ورغم أن الشركتين لم تكشفا رسمياً عن برامج أو صفقات محددة مرتبطة مباشرة بالاتفاق الجديد، فإن طبيعة التعاون تشير بوضوح إلى توجه نحو دمج خبرات TKMS في بناء الغواصات والمنصات البحرية الثقيلة مع قدرات Elbit Systems في مجالات الإلكترونيات الدفاعية، والحرب الإلكترونية، والأنظمة غير المأهولة، وأنظمة إدارة المعارك البحرية الحديثة.
ويأتي هذا الإعلان في توقيت تشهد فيه أوروبا والشرق الأوسط طفرة متسارعة في برامج التسلح البحري، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وعودة التنافس البحري بين القوى الكبرى، واتساع الاعتماد على المنصات البحرية الذكية في حماية خطوط الملاحة والطاقة والبنية التحتية البحرية الحساسة.
تُعد TKMS، أو ThyssenKrupp Marine Systems، واحدة من أبرز شركات بناء الغواصات والسفن الحربية في العالم، وتمثل العمود الفقري للصناعة البحرية العسكرية الألمانية منذ عقود طويلة. وتمتلك الشركة سجلاً ضخماً في تطوير غواصات Type 209 وType 212 وType 214 وType 218، إضافة إلى فرقاطات MEKO الشهيرة التي تم تصديرها إلى عدد كبير من الدول حول العالم.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت TKMS تحركاتها الدولية بصورة ملحوظة، مستفيدة من موجة إعادة التسلح البحري العالمية. فقد دخلت الشركة في برامج ضخمة تشمل غواصات Dakar-class لصالح البحرية الإسرائيلية، وغواصات Type 212CD المشتركة بين ألمانيا والنرويج، إلى جانب مشاريع تصدير إلى الهند وسنغافورة والبرازيل وتركيا.
كما تعمل الشركة حالياً على تطوير فرقاطات F127 المستقبلية للبحرية الألمانية، والتي يتوقع أن تتحول إلى واحدة من أقوى منصات الدفاع الجوي البحري في أوروبا خلال العقد المقبل، مع قدرات تسليحية ضخمة قد تشمل حتى 96 خلية إطلاق عمودي للصواريخ.
وتشير التحركات الأخيرة لـ TKMS إلى أن الشركة تسعى بقوة لتوسيع شبكات الشراكة الدولية بهدف مواجهة الضغط المتزايد على قدرات الإنتاج الأوروبية، خاصة في قطاع بناء السفن والغواصات الذي يشهد طلباً عالمياً متصاعداً يفوق الطاقة التصنيعية الحالية للعديد من الشركات الأوروبية الكبرى.
في المقابل، تمثل Elbit Systems واحدة من أكثر شركات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية توسعاً خلال العقد الأخير، خصوصاً في مجالات الأنظمة الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة.
ورغم أن الشركة اشتهرت عالمياً بمنظوماتها البرية والجوية، فإنها بدأت خلال السنوات الأخيرة توسع حضورها بصورة واضحة داخل قطاع الدفاع البحري، مستفيدة من خبرتها في دمج الأنظمة الإلكترونية المتقدمة والحلول المستقلة داخل المنصات القتالية البحرية.
وقد لعبت Elbit Systems بالفعل دوراً مهماً في تطوير بعض الأنظمة الإلكترونية والحرب الإلكترونية الخاصة بطرادات Sa’ar 6 التابعة للبحرية الإسرائيلية، والتي بُنيت بالتعاون مع TKMS في ألمانيا، مع دمج واسع للأنظمة الإسرائيلية مثل Barak 8 وC-Dome ومنظومات الحرب الإلكترونية البحرية.
كما شهدت العلاقات الصناعية بين الشركتين توسعاً كبيراً خلال الأشهر الماضية، خاصة بعد افتتاح منشأة جديدة داخل إسرائيل لإنتاج مكونات الغواصات تحت الماء بالتعاون بين TKMS وElbit Systems ووزارة الحرب الإسرائيلية. وتهدف المنشأة الجديدة إلى تصنيع مكونات متقدمة مصنوعة من المواد المركبة للغواصات، في خطوة وصفت بأنها جزء من استراتيجية إسرائيل لتوسيع قاعدة التصنيع البحري المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
التحالف الجديد بين الشركتين يعكس بصورة واضحة التحول الجاري في طبيعة الحرب البحرية الحديثة، حيث لم تعد كفاءة السفن والغواصات تعتمد فقط على الهيكل أو منظومات الدفع، بل أصبحت مرتبطة بصورة أساسية بقدرات الاستشعار، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، وربط البيانات، والأنظمة المستقلة.
وفي هذا السياق، تبدو الشراكة بين TKMS وElbit Systems محاولة لبناء منظومات بحرية أكثر تكاملاً، قادرة على مواجهة التهديدات الجديدة مثل الطائرات المسيّرة البحرية، والصواريخ فرط الصوتية، والذخائر الجوالة، والحرب الإلكترونية البحرية متعددة الطبقات.
كما أن تصاعد الهجمات على خطوط الملاحة في البحر الأحمر، وتزايد التوترات في شرق المتوسط، والبلطيق، وبحر الصين الجنوبي، دفع العديد من الدول إلى البحث عن سفن وغواصات تمتلك قدرة أعلى على العمل الشبكي وإدارة المعارك البحرية المعقدة في بيئات مشبعة بالتهديدات الإلكترونية والصاروخية.
تحمل الاتفاقية أيضاً بعداً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز الجانب الصناعي البحت، إذ تعكس تعمق التعاون العسكري والتكنولوجي بين ألمانيا وإسرائيل في ظل البيئة الأمنية الحالية.
فبرلين باتت تنظر بصورة متزايدة إلى الصناعات الدفاعية الإسرائيلية باعتبارها مصدراً مهماً للتقنيات القتالية السريعة التطور، خصوصاً في مجالات الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي العسكري.
وفي المقابل، تستفيد إسرائيل من الخبرة الألمانية الضخمة في بناء الغواصات والسفن القتالية الثقيلة، إضافة إلى شبكات التصدير الأوروبية والبنية الصناعية البحرية المتقدمة التي تمتلكها TKMS.
ويبدو أن هذا الاتجاه مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة، خاصة مع ازدياد الضغوط على أوروبا لتعزيز استقلاليتها الدفاعية ورفع قدراتها التصنيعية في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
اللافت أن الاتفاقية الجديدة تأتي ضمن موجة أوسع من التحالفات البحرية الدفاعية الدولية التي بدأت تتشكل خلال العامين الماضيين، حيث تسعى الشركات الكبرى إلى توسيع قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية عبر الشراكات العابرة للحدود.
فقد شهدت الأشهر الأخيرة اتفاقيات مشابهة بين Saab السويدية وPolska Grupa Zbrojeniowa البولندية، إلى جانب شراكات بين Navantia الإسبانية وKongsberg النرويجية، فضلاً عن توسع التعاون بين TKMS وشركات آسيوية مثل ST Engineering السنغافورية.
وتشير هذه التحركات إلى أن سوق الصناعات البحرية العسكرية العالمية دخل فعلياً مرحلة إعادة تشكل واسعة، مدفوعة بتزايد الطلب على الغواصات، والفرقاطات، وأنظمة الحرب البحرية الذكية، وسط توقعات بأن يشهد العقد المقبل أكبر موجة بناء بحري عسكري منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي ظل هذه البيئة، يبدو أن التحالف بين TKMS وElbit Systems ليس مجرد تعاون صناعي محدود، بل جزء من سباق عالمي لإعادة تعريف القوة البحرية الحديثة، حيث أصبحت الإلكترونيات الدفاعية والأنظمة الذكية تحتل موقعاً لا يقل أهمية عن السفن والغواصات نفسها في معادلات الردع والسيطرة البحرية.