أخبار: "أشباح الأعماق": Exail الفرنسية تقود ثورة تعيد صياغة مفاهيم التطهير والسيادة البحرية

في منعطف تقني يضع حداً لعصور المخاطرة البشرية في حقول الألغام البحرية، أعلنت شركة Exail الفرنسية الرائدة عن تحقيق قفزة نوعية في أنظمة التطهير الذاتية، عبر دمج جيل جديد من الدرونات البحرية والمعدات المسيرة التي تعمل بتناغم تام تحت الماء. هذا الإعلان، الذي يأتي في مطلع عام 2026، لا يمثل مجرد تحديث لمعدات قائمة، بل هو انتقال كامل نحو ما يُعرف بـ Autonomous Mine Countermeasures (MCM)، حيث تصبح المعركة مع الألغام صراعاً بين "ذكاء الآلة" و"كمائن الأعماق".

تفاصيل الابتكار:

تعتمد المنظومة الجديدة على مفهوم "النظام البيئي المتكامل" (Integrated Ecosystem)، حيث يتم توزيع المهام على مجموعة من المنصات المتطورة التي تعمل بتنسيق آلي:

- DriX (USV): وهي سفينة سطح مسيرة (Unmanned Surface Vehicle) تتميز بقدرة هائلة على الصمود في البحار العالية، وتعمل كمنصة قيادة وسيطة ونقطة ربط للبيانات بين المركز الأرضي والمنصات الغاطسة.

- A18-M (AUV): منصة غاطسة ذاتية القيادة (Autonomous Underwater Vehicle) مزودة بسونار ذو فتحة اصطناعية (Synthetic Aperture Sonar - SAS) عالي الدقة، قادر على مسح قاع البحر واكتشاف الألغام المموّهة والأجسام المشبوهة بدقة سنتيمترية.

- UMIS: وهو العقل المدبر أو نظام الإدارة الذي يربط كافة هذه الوحدات، مما يسمح بتنفيذ عمليات "المسح والتصنيف والتحييد" (Detection, Classification, and Neutralization) دون الحاجة لإرسال غواصين بشر أو سفن مأهولة كبيرة إلى منطقة الخطر.

تتميز هذه المنظومات بقدرتها على العمل في أعماق سحيقة وبيئات معقدة، معتمدة على صواريخ اعتراضية صغيرة تُدعى K-STER C مخصصة لتدمير اللغم فور تأكيد هويته، مما يقلص زمن العمليات من أسابيع إلى ساعات فقط.

إن امتلاك تكنولوجيا Minesweeping Drones (درونات صيد الألغام) يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب التقني، ويمكن تحليلها من خلال الزوايا التالية:

- تحييد "سلاح الفقراء" الاستراتيجي: تُعد الألغام البحرية سلاحاً قليل التكلفة وعالي التأثير، تستخدمه الدول والجهات غير النظامية لفرض "حصار اقتصادي" عبر إغلاق المضايق. تقنية Exail تسلب هذا السلاح فاعليته عبر توفير قدرة تطهير سريعة وآمنة، مما يحافظ على تدفق التجارة العالمية.

- تقليل "البصمة البشرية" ورفع الكفاءة: في العقائد العسكرية الكلاسيكية، كان تطهير حقل ألغام يعني تعريض سفن غالية الثمن وأرواح بشرية لخطر داهم. الآن، تسمح منظومات Exail بإدارة العملية من غرفة عمليات تبعد مئات الكيلومترات، مما يرفع سقف الجرأة العملياتية للجيوش.

- الاستشعار الموزع: بدلاً من الاعتماد على سفينة ضخمة واحدة لصيد الألغام (Minesweeper)، ننتقل الآن إلى "أسراب" من الدرونات الصغيرة التي تغطي مساحات شاسعة في وقت قياسي، وهو ما يغير معادلة Time-to-Area (الوقت مقابل المساحة المغطاة).

تعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمضايقها الحيوية (هرمز، باب المندب، قناة السويس، ومضيق جبل طارق)، الساحة الأكثر احتياجاً لهذه التكنولوجيا:

- تأمين المضايق العربية: التهديدات المستمرة في البحر الأحمر وبحر العرب تجعل من امتلاك درونات Exail ضرورة أمن قومي لدول مثل السعودية ومصر والإمارات. هذه التقنيات تضمن عدم توقف الملاحة الدولية في حال لجوء خصوم إقليميين إلى "حرب الألغام".

- حماية حقول الغاز في المتوسط: مع تحول شرق المتوسط إلى مركز عالمي للطاقة، تصبح حماية الأنابيب والمنصات من الألغام التخريبية أولوية قصوى. المنصات البحرية الفرنسية توفر حلاً مثالياً للدول العربية المتوسطية لحماية استثماراتها البحرية بعيداً عن الاحتكاك العسكري المباشر.

- تطوير القوات البحرية المغاربية: بالنسبة لدول شمال أفريقيا، وخاصة المغرب وتونس والجزائر، فإن اقتناء هذه الأنظمة يعزز من قدرتها على مراقبة سواحلها الطويلة ومكافحة التهديدات غير التقليدية، مما يعزز دورها كشريك أمني موثوق للاتحاد الأوروبي في حوض المتوسط.

إن ما تقدمه شركة Exail اليوم هو المعادل البحري للطائرات بدون طيار التي غيرت وجه الحروب البرية. نحن أمام فجر جديد تصبح فيه البحار "شفافة" أمام رادارات السونار المتطورة، وحيث يتم تحييد الألغام بصمت ودون إراقة دماء.

التوجه القادم هو "عسكرة الذكاء الاصطناعي تحت الماء". لم يعد السؤال "كم تملك من السفن؟"، بل "ما مدى ذكاء أسرابك المسيرة؟". إن هذه التكنولوجيا الفرنسية تضع معياراً جديداً للأمن البحري، وسيكون من المثير مراقبة أي من القوى البحرية العربية ستسارع لدمج هذه "الأشباح الرقمية" في أساطيلها لتأمين سيادتها المائية في عالم مضطرب.