أخبار: هولندا تختار طوربيد F21 من Naval Group لتسليح غواصات Orka الجديدة

أعلنت هولندا اختيار الطوربيد الثقيل F21 الذي تطوره شركة Naval Group الفرنسية لتسليح غواصات Orka-class الجديدة، في خطوة تمثل إحدى الركائز الأساسية لمشروع إعادة بناء القدرات الهولندية في مجال الحرب تحت السطح. ويأتي القرار بعد أشهر من اختيار شركة Naval Group لبناء الجيل الجديد من الغواصات الهولندية، ما يعكس توجهاً نحو اعتماد منظومة قتالية متكاملة تجمع بين منصة الغواصة وذخائرها الرئيسية ضمن حزمة تشغيلية موحدة.

وتشكل غواصات Orka أحد أكبر برامج التحديث العسكري الهولندية خلال العقود الأخيرة، حيث ستتولى مستقبلاً استبدال غواصات Walrus-class التي خدمت لعقود طويلة في البحرية الهولندية. وتهدف أمستردام من خلال البرنامج إلى الحفاظ على قدرتها على تنفيذ عمليات الاستطلاع والردع والقتال البحري بعيد المدى ضمن مسارح العمليات الأوروبية والأطلسية، فضلاً عن دعم عمليات حلف شمال الأطلسي في البيئات البحرية عالية التهديد.

ويعد F21 أحدث طوربيد ثقيل دخل الخدمة لدى البحرية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، وقد طُور ليحل محل الطوربيدات القديمة من طراز F17. ويتميز الطوربيد بقدرات متقدمة في مجالات الملاحة والتوجيه ومعالجة الإشارات ومقاومة الإجراءات المضادة، ما يجعله قادراً على التعامل مع الأهداف البحرية الحديثة في البيئات العملياتية المعقدة.

ويبلغ قطر الطوربيد 533 ملم، وهو المعيار المستخدم في معظم الغواصات الغربية الحديثة، ما يسمح بدمجه بسهولة ضمن منظومات الإطلاق القياسية. كما يتمتع بمدى طويل وسرعة عالية وقدرة على الاشتباك مع السفن السطحية والغواصات المعادية على حد سواء، مع الاستفادة من أنظمة توجيه متطورة تجمع بين الاتصال عبر الألياف البصرية والباحثات الصوتية الرقمية الحديثة.

ومن الناحية العملياتية، يمثل اختيار F21 خطوة مهمة نحو منح غواصات Orka قدرة هجومية متكاملة منذ دخولها الخدمة. فالغواصة الحديثة لا تعتمد فقط على خصائص التخفي والاستشعار، بل على فعالية منظومة التسليح الرئيسية التي تحملها. ولذلك يعد الطوربيد الثقيل السلاح الأهم في أي غواصة هجومية تقليدية، باعتباره الوسيلة الأساسية لتدمير السفن المعادية والغواصات المنافسة.

ويأتي القرار الهولندي في وقت يشهد فيه المجال البحري الأوروبي اهتماماً متزايداً بقدرات الحرب تحت السطح. فقد أدت الحرب في أوكرانيا والتوترات المتزايدة في بحر البلطيق وشمال الأطلسي إلى إعادة التركيز على أهمية الغواصات باعتبارها أحد أهم أدوات الردع والقتال البحري. كما دفعت هذه التطورات العديد من الدول الأوروبية إلى الاستثمار في تحديث أساطيلها البحرية وتعزيز قدراتها في مواجهة التهديدات تحت السطحية.

وبالنسبة لشركة Naval Group، يمثل العقد نجاحاً إضافياً لاستراتيجيتها القائمة على تقديم حزمة متكاملة تشمل الغواصات وأنظمة القتال والذخائر المرتبطة بها. فالشركة لا تسعى فقط إلى تصدير المنصات البحرية، بل إلى بناء منظومات تشغيلية متكاملة تضمن التكامل الكامل بين الغواصة وتسليحها وأنظمة إدارتها القتالية.

كما يعزز العقد من الحضور الأوروبي للطوربيد F21، الذي بات يُنظر إليه كأحد أبرز المنافسين الغربيين في فئة الطوربيدات الثقيلة الحديثة. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه سوق التسليح البحري منافسة متزايدة بين الشركات الأوروبية والأمريكية والآسيوية لتوفير حلول قادرة على مواجهة التطورات المتسارعة في مجال الحرب البحرية.

يعكس البرنامج عمق التعاون الدفاعي بين فرنسا وهولندا، والذي توسع بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة في عدة مجالات بحرية وعسكرية. كما ينسجم مع التوجه الأوروبي نحو تعزيز التعاون الصناعي الدفاعي وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في القطاعات العسكرية الحساسة.

واستراتيجياً، لا يقتصر اختيار F21 على الجانب التسليحي فقط، بل يعكس رؤية هولندية أوسع لبناء قوة بحرية قادرة على العمل في البيئات المتنازع عليها خلال العقود المقبلة. فالغواصات الجديدة المزودة بطوربيدات حديثة ستوفر لأمستردام قدرة أكبر على حماية خطوط الملاحة والمصالح البحرية والمشاركة في عمليات الردع الجماعي ضمن إطار حلف الناتو.

كما تكشف الصفقة عن استمرار أهمية الطوربيدات الثقيلة رغم التطور الكبير في الصواريخ البحرية والأسلحة بعيدة المدى. فحتى اليوم لا يزال الطوربيد يمثل السلاح الأكثر فاعلية في الاشتباكات تحت السطحية، كما يحتفظ بقدرة تدميرية عالية ضد السفن السطحية الكبيرة، ما يجعله عنصراً أساسياً في أي عقيدة بحرية حديثة.

إن اختيار هولندا للطوربيد F21 لتسليح غواصات Orka-class الجديدة يمثل خطوة محورية في بناء الجيل المقبل من القدرات البحرية الهولندية. فالصفقة لا توفر مجرد ذخيرة جديدة، بل تمنح الغواصات المستقبلية قدرة هجومية متقدمة تتناسب مع التحديات الأمنية المتزايدة في البيئة البحرية الأوروبية، وتؤكد في الوقت ذاته استمرار الرهان الأوروبي على تطوير منظومات الحرب تحت السطح باعتبارها أحد أهم عناصر الردع البحري في القرن الحادي والعشرين.