في خطوة تعكس تسارع سباق التسلح تحت البحار وسعي القوى الكبرى لفرض هيمنتها على الممرات المائية الحيوية، أعلنت شركة Northrop Grumman Corporation الأمريكية عن فوزها بعقد استراتيجي ضخم من قبل البحرية الأمريكية (U.S. Navy) لتصنيع وتوريد الجيل القادم من الطوربيدات خفيفة الوزن المتقدمة من طراز MK54 MOD 2. وتأتي هذه الصفقة، التي تبلغ قيمتها الإجمالية 233 مليون دولار، لتمثل نقطة تحول جوهرية في قدرات الحرب ضد الغواصات (ASW)، مع التركيز على تعزيز الفتك والقدرة على مواجهة التهديدات المتطورة في بيئات بحرية معقدة.
يتضمن العقد الذي أُبرم في مطلع عام 2026 مراحل دقيقة تشمل "إثبات التصنيع" (Proof of Manufacturing) ومراحل التأهيل الفني، بالإضافة إلى تسليم وحدات متعددة من الطوربيدات لإجراء اختبارات التأهيل الشاملة. ويعد الطوربيد MK54 MOD 2 ثمرة تعاون دفاعي وثيق بين الولايات المتحدة وأستراليا (Australian Defence Force)، مما يجعله سلاحاً ذا معايير دولية مشتركة بين الحلفاء.
ما يميز النسخة MK54 MOD 2 عن أسلافها (MOD 0 و MOD 1) هو دمج رأس حربي (Warhead) جديد كلياً من تصميم Northrop Grumman، صُمم خصيصاً لرفع مستويات الفتك (Lethality) إلى حدود غير مسبوقة. كما يتضمن النظام ترقيات برمجية وهاردوير متطورة تزيد من دقة التتبع (Tracking) والتصنيف (Classifying) للأهداف المعادية في مختلف أعماق البحار، سواء في المياه الضحلة القريبة من السواحل أو في أعالي البحار العميقة. وتعتمد شركة Northrop Grumman في تنفيذ هذا العقد على منشآتها المتطورة في "بليموث" بولاية مينيسوتا و"مختبر أليغاني للمقذوفات" في فرجينيا الغربية، لضمان التسريع من وتيرة الإنتاج وتلبية المتطلبات العاجلة للبحرية الأمريكية.
يعد الطوربيد MK54 MOD 2 السلاح الأساسي للحرب ضد الغواصات الذي يمكن إطلاقه من أكثر من 20 منصة مختلفة. ويشمل ذلك السفن السطحية، الطائرات ثابتة الجناح مثل P-8A Poseidon، والمروحيات القتالية. هذا التنوع في منصات الإطلاق يمنح القادة العسكريين مرونة تكتيكية عالية، حيث يمكن للطوربيد العمل كجزء من منظومة صاروخية يتم إطلاقها رأسياً (Vertical Launch Anti-Submarine Rocket - VLA) أو عبر منصات جوية من ارتفاعات شاهقة، مما يصعب على غواصات العدو اكتشاف الهجوم أو المناورة للإفلات منه.
تأتي هذه الصفقة في وقت يشهد فيه العالم عودة "حرب الغواصات" إلى واجهة الاستراتيجيات العسكرية. إن استثمار الولايات المتحدة في MK54 MOD 2 يعكس قلقاً متزايداً من تنامي قدرات الغواصات الصامتة (Diesel-Electric Submarines) التي تمتلكها دول مثل الصين وروسيا. استراتيجياً، تهدف واشنطن من خلال Northrop Grumman إلى سد الفجوة التكنولوجية وضمان تفوق نوعي يتيح لها السيطرة على "الممرات الضيقة" والمناطق الساحلية المتنازع عليها.
إن دخول MK54 MOD 2 للخدمة يعني أن البحرية الأمريكية وحلفاءها باتوا يمتلكون "يداً طولى" تحت الماء، قادرة على تحييد التهديدات قبل وصولها إلى الأساطيل السطحية. كما أن التعاون مع أستراليا في هذا البرنامج يعزز من تماسك تحالف "أوكوس" (AUKUS) ويجعل من هذه التكنولوجيا معياراً موحداً في المحيطين الهادئ والهندي.
تمثل صفقة Northrop Grumman لتطوير MK54 MOD 2 أكثر من مجرد عقد تجاري؛ إنها إعلان عن مرحلة جديدة من الهيمنة التكنولوجية تحت البحار. وبفضل الرأس الحربي المبتكر وقدرات المعالجة المتقدمة، سيظل هذا الطوربيد لسنوات قادمة الركيزة الأساسية لحماية الأساطيل العالمية وضمان حرية الملاحة في ظل بيئة دولية تزداد اضطراباً.