في احتفالية عسكرية وتقنية مهيبة في حوض بناء السفن التابع لشركة Fincantieri بشمال إيطاليا، تم تدشين السفينة Ugolino Vivaldi، وهي الوحدة الأولى ضمن برنامج طموح لبناء أربع سفن دورية بحرية من الجيل الجديد (Next-Generation Offshore Patrol Vessels - OPVs). المشروع الذي تديره شركة Orizzonte Sistemi Navali (مشروع مشترك بين Fincantieri بنسبة 51% و Leonardo بنسبة 49%)، يمثل قفزة نوعية في قدرة البحرية الإيطالية على فرض سيادتها في "المتوسط الموسع" وحماية مصالحها الحيوية.
تُعد السفينة Vivaldi نموذجاً حياً للتفوق الهندسي الإيطالي، حيث يبلغ طولها حوالي 95 متراً بإزاحة تصل إلى 2,400 طن. وما يميز هذه الفئة ليس حجمها فحسب، بل حزمة التقنيات الثورية التي تحملها، وعلى رأسها نظام Integrated Naval Cockpit. هذا النظام، الذي تم تطويره بالتعاون بين Fincantieri NexTech و Leonardo، يتيح لمشغلين اثنين فقط (طيار ومساعد طيار) التحكم الكامل في المحركات، الرادارات، وأنظمة المنصة، وحتى بعض وظائف النظام القتالي، مما يرفع كفاءة العمليات ويقلل الاعتماد على الكوادر البشرية الكثيفة.
تعتمد السفينة في دفعها على نظام CODLAD (Combined Diesel-Electric and Diesel)، الذي يمنحها سرعة قصوى تتجاوز 24 عقدة ومدى عملياتي يصل إلى 3,500 ميل بحري. أما من الناحية التسليحية، فقد تم تزويدها بمدفع 76/62 mm Super Rapido في تكوين Strales، ومنصات سلاح يتم التحكم فيها عن بعد من طراز Lionfish 30 RCWS المزودة بمدفع X-gun الجديد من إنتاج Leonardo.
استراتيجياً، يأتي تدشين سفن الـ OPV الجديدة كجزء من عقيدة إيطالية تهدف إلى التحول لـ "بحرية المحيطات" القادرة على العمل بعيداً عن قواعدها التقليدية. إن اختيار اسم Ugolino Vivaldi (المكتشف الإيطالي الشهير) يحمل دلالة رمزية على رغبة إيطاليا في الاستكشاف والسيطرة البحرية الواسعة. في ظل التوترات المتزايدة في حوض المتوسط، وتزايد أهمية خطوط أنابيب الغاز وكابلات البيانات تحت البحر، توفر هذه السفن لإيطاليا أداة مرنة لمراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة (Exclusive Economic Zone) وحماية خطوط الملاحة التجارية (Sea Lines of Communication - SLOC).
تمثل هذه الفئة من السفن حلاً ذكياً لمواجهة التهديدات "تحت العتبة" (Below-the-threshold)، مثل عمليات التهريب، القرصنة، والتلوث البحري، وفي الوقت نفسه تمتلك القدرة على الاندماج في تشكيلات قتالية معقدة بفضل نظام القيادة والسيطرة المتقدم. إنها تجسد مفهوم "السفينة متعددة المهام" التي يمكنها التحول من دور المراقبة البيئية إلى دور القتال السطحي في غضون لحظات، مما يعزز من مرونة صانع القرار العسكري الإيطالي في مواجهة الأزمات المفاجئة.
يمثل إطلاق برنامج الـ OPV الإيطالي نقطة تحول في سوق السفن الحربية المتوسطة عالمياً:
- تسويق عائلة FCX عالمياً: تعتبر هذه السفن حجر الزاوية في عائلة FCX التي تروج لها Fincantieri في الأسواق الدولية. نجاح إيطاليا في تشغيل هذه التقنيات (خاصة الـ Naval Cockpit) سيعزز من تنافسية الشركات الإيطالية في صفقات قادمة مع دول في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط تبحث عن سفن متطورة تقنياً وبطواقم تشغيل مصغرة.
- ثورة الأتمتة والذكاء الاصطناعي: يضع نظام التحكم الثنائي (Cockpit) معياراً جديداً لمستقبل الجسور الحربية. التوجه العالمي الآن يسير نحو تقليل عدد البحارة وزيادة الاعتماد على الخوارزميات، وهو مجال أثبتت فيه Leonardo و Fincantieri ريادتهما، مما سيجبر المنافسين في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة على تسريع وتيرة أتمتة سفنهم.
- تعزيز نموذج المشاريع المشتركة: يثبت التعاون بين Fincantieri و Leonardo عبر شركة Orizzonte Sistemi Navali أن الاندماج بين "باني السفن" و "مطور التكنولوجيا" هو النموذج الأنجح لتقديم حلول دفاعية متكاملة. هذا النموذج قد يصبح سائداً في أوروبا لتعزيز الكفاءة الإنتاجية وتقليل التكاليف.
- الاستدامة والمهام المزدوجة (Dual-use): القدرة على التعامل مع التهديدات البيئية (مثل تسرب السوائل السامة) بالتوازي مع المهام القتالية تجعل هذه السفن جذابة للغاية للدول التي تعاني من محدودية الميزانية وترغب في سفينة واحدة تؤدي مهام "خفر السواحل" و "البحرية الحربية" في آن واحد.
بهذا التدشين، لا تضيف إيطاليا مجرد قطعة بحرية لأسطولها، بل تعلن عن ولادة جيل جديد من السفن الذكية التي ستقود عمليات حفظ الأمن والاستقرار في قلب البحار لعقود قادمة.