أخبار: أيرلندا تعزز قدرات جيشها بصفقة مدرعات فرنسية

في خطوة وصفت بأنها الأهم في مسار تحديث القوات البرية الأيرلندية (Irish Army)، أعلنت وزارة الدفاع في دبلن عن إبرام صفقة استراتيجية مع شركة Arquus الفرنسية الرائدة في صناعة المركبات العسكرية، لتزويد الجيش الأيرلندي بجيل جديد من المدرعات الخفيفة والمتعددة المهام. تأتي هذه الاتفاقية في إطار خطة التنمية الدفاعية "Equipment Modernization Plan" التي تهدف إلى استبدال الأسطول المتقادم وتعزيز أمن الجنود الأيرلنديين المشاركين في بعثات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة.

تتضمن الصفقة توريد عدد كبير من المركبات المدرعة من طراز Sherpa Light ومركبات VBL MK2 (Véhicule Blindé Léger) المطورة. وتعتبر مركبة Sherpa Light منصة عسكرية شديدة المرونة، توفر حماية فائقة من المستوى الثاني والثالث وفق معايير STANAG ضد الألغام والعبوات الناسفة، بينما تتميز مركبات VBL بقدرتها الاستثنائية على الاستطلاع السريع والعمل في التضاريس الوعرة، مما يجعلها مثالية لبيئات الصراع المعقدة التي تعمل فيها القوات الأيرلندية، مثل جنوب لبنان ومرتفعات الجولان.

وبحسب البيان الرسمي، فإن التعاون مع Arquus (التابعة لمجموعة John Cockerill) لن يقتصر على التوريد فحسب، بل يشمل حزمة دعم لوجستي متكاملة (Integrated Logistics Support) وبرامج تدريب متقدمة للأطقم الفنية الأيرلندية، لضمان استدامة هذه المنصات في الميدان لعقود قادمة.

تمثل هذه الصفقة دلالة استراتيجية عميقة في السياسة الدفاعية لأيرلندا؛ فبالرغم من سياسة "الحياد العسكري" التاريخية، إلا أن دبلن تدرك أن هذا الحياد يتطلب "أنياباً تقنية" لحمايته. إن الاستثمار في مدرعات فرنسية متطورة يعكس رغبة أيرلندا في رفع مستوى "الاحترافية القتالية" لقواتها لتضاهي نظيراتها في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعزز دورها كلاعب فاعل في سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد (CSDP).

من الناحية الميدانية، فإن امتلاك مركبات مثل Sherpa Light يمنح القادة العسكريين الأيرلنديين مرونة تكتيكية عالية في مهام حفظ السلام. ففي ظل تصاعد التهديدات غير النمطية، يصبح توفير الحماية ضد الكمائن والعبوات الناسفة ضرورة أخلاقية وعملياتية. كما أن اختيار التكنولوجيا الفرنسية يعزز "الترابط العملياتي" (Interoperability) مع الجيوش الأوروبية الأخرى، مما يسهل العمل المشترك في البعثات الدولية المتعددة الجنسيات.

علاوة على ذلك، تشير هذه الخطوة إلى تحول في الإنفاق الدفاعي الأيرلندي، حيث بدأت الحكومة في تخصيص ميزانيات أكبر للاستثمار في المعدات النوعية بدلاً من الاكتفاء بالصيانة، مما يشير إلى استشعار دبلن للمخاطر الأمنية المتزايدة في المحيط الأطلسي والساحة الأوروبية بشكل عام.

تلقي هذه الصفقة بظلالها على مشهد سوق الدفاع العالمي من خلال عدة نقاط محورية:

- ترسيخ الهيمنة الفرنسية في قطاع المدرعات الخفيفة: نجاح شركة Arquus في اقتناص العقد الأيرلندي يعزز مكانة فرنسا كمورد أول للمركبات التكتيكية في أوروبا. هذا التوسع يثبت أن عائلة مركبات Sherpa أصبحت المنافس الأوروبي الأقوى لمدرعات Humvee و JLTV الأمريكية، خاصة في الأسواق التي تبحث عن توازن بين الحماية والتكلفة التشغيلية.

- نمو سوق "الدفاع عن السلام": تبرز هذه الصفقة نمو قطاع خاص في سوق السلاح يستهدف الدول التي لا تخوض حروباً مباشرة ولكنها تشارك بكثافة في عمليات الأمم المتحدة. الشركات التي تقدم حلولاً مدرعة متخصصة لمهام "حفظ السلام" ستجد فرصاً كبرى في دول مماثلة لأيرلندا والنمسا ودول شمال أوروبا.

- الاستقلالية الصناعية الأوروبية: اختيار أيرلندا لشركة فرنسية بدلاً من الموردين التقليديين من خارج القارة يعزز مفهوم "السيادة الصناعية الأوروبية". هذا التوجه يضع ضغوطاً على الشركات البريطانية والأمريكية لتطوير نماذج تسعير وتوريد أكثر جاذبية للاحتفاظ بحصصها في السوق الأوروبي.

- التركيز على "دورة الحياة الكاملة": العقود التي تشمل الدعم اللوجستي المستدام أصبحت هي المعيار الجديد. سوق الصناعات الدفاعية لم يعد يكتفي ببيع "الحديد"، بل أصبح يتنافس على تقديم خدمات ما بعد البيع والقدرة على تحديث البرمجيات والأنظمة الإلكترونية للمدرعات خلال فترة خدمتها، وهو ما برعت فيه Arquus في هذا العقد.

بهذه الخطوة، تؤكد أيرلندا أن سيادتها وأمن جنودها في الخارج يمران عبر بوابات التكنولوجيا الدفاعية الفرنسية المتطورة، مما يرسم ملامح جديدة لمستقبل القوات المسلحة الأيرلندية في القرن الحادي والعشرين.