شهدت أروقة معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري (DIMDEX 2026) الكشف عن واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية تطوراً في العصر الحديث، حيث أزاحت شركة John Cockerill Defense الستار عن النسخة الأحدث من برجها القتالي Cockerill 1030، مدمجاً بداخل منظومة الأسلحة المتحكم بها عن بعد Hornet RCWS. هذا التعاون التقني لا يمثل مجرد إضافة عسكرية جديدة، بل يعكس تحولاً جذرياً في مفهوم حماية المدرعات ومواجهة التهديدات الجوية الناشئة، وعلى رأسها الطائرات بدون طيار (Drones).
يعتبر البرج القتالي Cockerill 1030، الذي تنتجه الشركة البلجيكية العريقة John Cockerill Defense، قمة ما توصلت إليه تكنولوجيا الأبراج غير المأهولة (Unmanned Turrets). صُمم هذا البرج ليكون خفيف الوزن بكتلة لا تتجاوز 1.5 طن، مما يجعله مثالياً للمركبات المدرعة من فئتي 6×6 و8×8، فضلاً عن المنصات البرمائية.
أما الإضافة النوعية التي ميزت عرض هذا العام في DIMDEX 2026، فهي دمج منظومة Hornet RCWS فوق البرج الأساسي. منظومة Hornet، التي تم تطويرها ضمن برنامج Scorpion الفرنسي بالتعاون بين شركتي Arquus وSafran Electronics & Defense، تعمل كطبقة دفاعية ثانوية ومركز استشعار متقدم. هذا الدمج يمنح المركبة قدرة فريدة على "الاشتباك متعدد المستويات"، حيث يتولى مدفع البرج الرئيسي من طراز Northrop Grumman Mk44 بعيار 30×173 ملم التعامل مع الأهداف المدرعة والجوية البعيدة، بينما تتفرغ منظومة Hornet RCWS (المزودة بمدفع رشاش 7.62 ملم أو 12.7 ملم) للتعامل مع التهديدات القريبة والدرونات الانتحارية بمرونة استثنائية وزاوية ارتفاع تصل إلى +70 درجة.
من الناحية الاستراتيجية، يأتي الكشف عن هذا النظام في توقيت حرج يعيد فيه قادة الجيوش تعريف مفهوم "السيادة الجوية المحلية". ففي ظل تزايد الاعتماد على الطائرات المسيرة الرخيصة والقتاكة في النزاعات الحديثة، أصبحت المدرعات التقليدية عرضة للاستهداف السهل من الأعلى.
إن دمج Cockerill 1030 مع Hornet RCWS يمثل حلاً استراتيجياً لمشكلة "العمى الدفاعي" ضد الدرونات. فالنظام الجديد يعتمد على بنية رقمية مفتوحة (Open Digital Architecture) تسمح بدمج الذكاء الاصطناعي (AI) في تتبع الأهداف آلياً، واستخدام ذخائر "Airburst" المتفجرة في الجو، وهي السلاح الفتاك الأبرز ضد أسراب الدرونات. هذا التوجه يعزز من قدرة القوات البرية في منطقة الخليج والشرق الأوسط على حماية تشكيلاتها القتالية ذاتياً دون الحاجة لغطاء جوي دائم أو أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى باهظة التكلفة.
علاوة على ذلك، فإن تصميم النظام بشكل "مستقل عن المنصة" (Platform Agnostic) يتيح للدول المشغلة تحديث أساطيلها من المدرعات القديمة بهذا البرج المتطور، مما يمنحها قفزة تكنولوجية فورية في ساحة المعركة الحديثة دون الحاجة لشراء مركبات قتالية جديدة بالكامل.
على المستوى العالمي، يرسل هذا الإعلان في DIMDEX 2026 إشارات قوية إلى سوق الصناعات الدفاعية التي تقدر بمليارات الدولارات. أولاً، يؤكد هذا التحالف بين John Cockerill Defense وشركاء برنامج Hornet على نجاح نموذج "التكامل العابر للحدود" في أوروبا، حيث يتم دمج أفضل التقنيات البلجيكية والفرنسية لتقديم منتج ينافس بقوة الأنظمة الأمريكية والروسية.
ثانياً، يتوقع المحللون أن يقود نظام Cockerill 1030 مع Hornet RCWS توجهاً عالمياً نحو الأبراج "متعددة المهام" (Multi-role Turrets). فلم يعد البرج مجرد منصة لإطلاق النار، بل أصبح مركزاً لإدارة البيانات، حيث توفر الحساسات المدمجة في Hornet (التي تشمل كاميرات حرارية وأجهزة تحديد مدى ليزرية متطورة) رؤية بانورامية بزاوية 360 درجة، مما يرفع من مستوى "الوعي الميداني" (Situational Awareness) للطاقم المختبئ داخل بدن المركبة المحصن.
ثالثاً، يفتح هذا النظام الباب واسعاً أمام سوق "أنظمة الدفاع الجوي قصير المدى جداً" (VSHORAD). ومع توقع نمو سوق مكافحة الدرونات بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 25% حتى عام 2030، فإن John Cockerill Defense تضع نفسها كلاعب مهيمن بتقديم منظومة لا تكتفي بالدفاع، بل تدمج القدرات الهجومية والدفاعية في حزمة واحدة خفيفة وقابلة للنشر السريع.