في تحول دراماتيكي يعيد رسم خارطة التحالفات العسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، تقدمت فرنسا، ممثلة بشركة Naval Group، بعرض رسمي مغرٍ للحكومة اليونانية لزيادة طلبيتها من فرقاطات FDI (المعروفة في اليونان باسم Kimon-class) بإضافة 3 سفن أخرى إلى الأسطول اليوناني. يأتي هذا التحرك الاستراتيجي الفرنسي في توقيت حساس للغاية، تزامناً مع التقارير الواردة حول الانهيار الوشيك أو التعثر البنيوي لبرنامج الفرقاطات الأمريكي Constellation-class (FFG-62)، والذي كان يُنظر إليه كبديل محتمل أو منافس في خطط التحديث البحرية اليونانية طويلة الأمد.
تُعد فرقاطة Kimon-class، وهي النسخة اليونانية من فرقاطة الدفاع والتدخل الفرنسية (FDI)، واحدة من أكثر القطع البحرية تطوراً في العالم من حيث الرقمنة والقدرة على خوض الحروب السيبرانية والجوية. وتتميز هذه السفن، التي يتم بناؤها في ترسانات Lorient التابعة لـ Naval Group، بإزاحة تصل إلى 4,500 طن وطول يبلغ 122 متراً، وهي مزودة برادار Thales Sea Fire الرقمي بالكامل، والذي يوفر تغطية 360 درجة وقدرة على تتبع مئات الأهداف في آن واحد.
يتضمن العرض الفرنسي الجديد تسريع وتيرة التسليم وتوفير شروط تمويل مرنة، مع التأكيد على دمج أنظمة تسليح فتاكة تشمل صواريخ Aster 30 للدفاع الجوي طويل المدى، وصواريخ Exocet MM40 Block 3C المضادة للسفن، وصواريخ MU90 المضادة للغواصات. كما تتميز هذه الفرقاطات بقدرات حرب إلكترونية متفوقة تجعلها عصية على الرصد والتشويش، وهو ما تطلبه القوات البحرية اليونانية (Hellenic Navy) بشدة لمواجهة التحديات في بحر إيجة وشرق المتوسط.
تمثل هذه الخطوة انتصاراً استراتيجياً للمفهوم الفرنسي حول "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" (European Strategic Autonomy). فتعثر برنامج Constellation الأمريكي، الذي كان يعاني من تجاوز التكاليف وتأخيرات في التصميم والهندسة، منح باريس فرصة ذهبية لإثبات أن الصناعة الدفاعية الأوروبية أكثر موثوقية وتكيفاً مع احتياجات دول المنطقة.
استراتيجياً، تهدف اليونان من وراء قبول هذا العرض إلى تحقيق "التجانس العملياتي" (Operational Homogeneity) لأسطولها. فبدلاً من تشغيل أنواع مختلفة من السفن من مصادر متعددة (فرنسية وأمريكية)، يمنح الاعتماد الكلي على طراز Kimon ميزة هائلة في اللوجستيات، والتدريب، والصيانة، وتوافق أنظمة القيادة والسيطرة. كما أن هذا التعاون يوثق التحالف العسكري بين باريس وأثينا، والذي يرتكز على اتفاقية دفاع متبادل وُقعت في عام 2021، مما يجعل فرنسا الشريك الأمني الأول لليونان في مواجهة أي تهديدات إقليمية.
علاوة على ذلك، فإن انهيار البرنامج الأمريكي يبعث برسالة قوية لمخططي الدفاع حول العالم بأن المشاريع الضخمة التي تفتقر إلى الاستقرار التصميمي قد تتحول إلى عبء مالي وزمني، بينما تبرز المنصات الأوروبية مثل FDI كحلول "جاهزة للقتال" (Combat-Ready) وذات مخاطر تطويرية أقل.
على المستوى العالمي، سيؤدي هذا التحول إلى تعزيز مكانة Naval Group كلاعب مهيمن في سوق الفرقاطات متوسطة الإزاحة، وهي الفئة الأكثر طلباً في القوات البحرية المعاصرة. إن فشل برنامج Constellation، الذي كان يطمح ليكون معياراً عالمياً، سيفتح الباب أمام دول أخرى في آسيا والشرق الأوسط لإعادة النظر في خياراتها، وتفضيل المنصات الأوروبية التي أثبتت كفاءتها في الاختبارات البحرية الفعلية.
من الناحية الاقتصادية، فإن فوز فرنسا بطلبية إضافية من 3 فرقاطات سيوفر آلاف فرص العمل في قطاع بناء السفن الفرنسي واليوناني (من خلال مشاركة الترسانات المحلية اليونانية)، وسيعزز من اقتصاديات الحجم للمشروع، مما قد يؤدي إلى خفض تكلفة الوحدة الواحدة في الصفقات المستقبلية مع دول أخرى. كما سيؤدي هذا إلى اشتعال المنافسة مع برامج أخرى مثل الفرقاطة الألمانية MEKO 200 والبريطانية Type 31، حيث تسعى كل منها لملء الفراغ الذي تركه التعثر الأمريكي.
إن العرض الفرنسي لليونان في عام 2026 ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو إعادة ترتيب لأوراق القوة في المتوسط. إن اختيار أثينا للمضي قدماً مع Kimon-class سيعني نهاية الحقبة التي كانت فيها التكنولوجيا البحرية الأمريكية هي الخيار الوحيد للدول الحليفة، ويؤشر لبدء عصر جديد من الهيمنة التكنولوجية الأوروبية على البحار، حيث تلتقي الدقة الهندسية مع الرؤية الاستراتيجية المشتركة.