في خطوة تضع القوات البحرية الملكية الكندية (Royal Canadian Navy) على أعتاب تحول تكنولوجي هو الأضخم في تاريخها المعاصر، أعلنت وزارة الدفاع الوطني الكندية عن النجاح الباهر لأولى تجارب الإطلاق الحي لطوربيدات MK 54 Lightweight Torpedo من على متن الفرقاطة HMCS Regina. جرت هذه التجارب الحاسمة في ميدان التجارب العسكري التابع للقوات الكندية بالقرب من خليج "نانوز" بمقاطعة كولومبيا البريطانية خلال الفترة ما بين 2 و4 فبراير 2026. وتعد هذه الخطوة حجر الزاوية في برنامج تحديث الأسطول الكندي، حيث تمثل الانتقال الرسمي من حقبة الحرب الباردة إلى عصر الحروب الرقمية الذكية تحت سطح الماء.
تأتي هذه التجارب كجزء من صفقة كبرى تقدر قيمتها بنحو 387 مليون دولار أمريكي (حوالي 514 مليون دولار كندي)، وتهدف إلى استبدال مخزون كندا المتقادم من طوربيدات MK 46 بالجيل الأحدث MK 54 الذي تنتجه شركة Raytheon الأمريكية بالتعاون مع البحرية الأمريكية. يتميز الطوربيد MK 54 Lightweight Torpedo بكونه نظاماً هجيناً يدمج أفضل التقنيات الموجودة في طوربيدات MK 50 و MK 48 ADCAP، مما يمنحه قدرات معالجة رقمية فائقة وقدرة على تمييز الأهداف الحقيقية عن الشراك الخداعية والمناورات الدفاعية للغواصات الحديثة.
يعتمد الطوربيد على برمجيات متطورة وسونار عالي الدقة يتيح له العمل بفعالية في المياه الضحلة والمناطق الساحلية الوعرة، وهي بيئات كانت تشكل تحدياً كبيراً للنسخ السابقة. كما صُممت حزم التحويل الخاصة بهذا الطوربيد لتكون متوافقة مع منصات متعددة، حيث لن تقتصر على الفرقاطات من فئة Halifax-class فحسب، بل سيتم دمجها أيضاً في طائرات الدورية البحرية الجديدة P-8A Poseidon التي سيبدأ تسلمها هذا العام، ومروحيات CH-148 Cyclone، مما يخلق شبكة دفاعية متكاملة "جو-بحر" لملاحقة الغواصات المعادية.
استراتيجياً، يحمل هذا التطور دلالات عميقة تتجاوز مجرد اختبار سلاح جديد؛ فهو يأتي في ظل تصاعد التنافس الدولي على الممرات الملاحية في القطب الشمالي (The Arctic). كندا، التي تمتلك أطول ساحل في العالم، تجد نفسها اليوم أمام تحدي مراقبة الغواصات الشبحية التي تنشرها القوى المنافسة في المياه العميقة والضحلة على حد سواء. إن امتلاك MK 54 يمنح أوتاوا "قبضة رادعة" قادرة على تأمين سيادتها الوطنية وحماية مصالحها الاقتصادية في مناطق النفوذ البحري المتنازع عليها.
علاوة على ذلك، تعزز هذه الخطوة من مفهوم "العمل البيني" (Interoperability) مع حلفاء كندا في حلف شمال الأطلسي (NATO) ونظام الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (NORAD). فمن خلال توحيد المعايير التسليحية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، تصبح البحرية الكندية جزءاً لا يتجزأ من منظومة دفاعية عالمية موحدة، قادرة على تبادل البيانات العملياتية والذخائر في حالات الصراع الواسع، مما يرفع من مستوى الردع الجماعي ضد التهديدات تحت السطحية المتطورة.
على الصعيد العالمي، تُعد تجربة كندا لطوربيدات MK 54 محركاً قوياً لسوق السلاح البحري. أولاً، تؤكد هذه الخطوة التوجه العالمي نحو "تحديث الأنظمة القائمة" عبر حزم التحويل الرقمي بدلاً من بناء منصات جديدة بالكامل، وهو توجه يوفر المليارات للدول ويزيد من عمر الأساطيل الحالية. نجاح كندا في دمج تقنيات Raytheon المتطورة في فرقاطاتها القديمة سيحفز دولاً أخرى تمتلك أساطيل مماثلة على اتباع النهج ذاته، مما يعزز من هيمنة التكنولوجيا الأمريكية في هذا القطاع.
ثانياً، يساهم هذا التكامل في زيادة الطلب على طائرات P-8A Poseidon، حيث أصبح الطوربيد MK 54 هو "السلاح المعياري" لهذه الطائرة العالمية. هذا التلازم بين المنصة والذخيرة يخلق سوقاً مستدامة لخدمات الدعم الفني وتطوير البرمجيات لسنوات قادمة. كما أن التوجه نحو الطوربيدات "خفيفة الوزن" ذات الدقة العالية يقلل من الأضرار الجانبية ويزيد من كفاءة الضربات الجراحية، وهو ما تطلبه الجيوش الحديثة في ظل قوانين الاشتباك الصارمة.
إن نجاح اختبارات MK 54 في المياه الكندية يمثل رسالة قوة ووضوح: كندا مستعدة تكنولوجياً وعسكرياً لحماية حدودها البحرية، وهي ماضية في بناء جيش يعتمد على الابتكار والتكامل الرقمي كأدوات أساسية للسيادة في القرن الحادي والعشرين.